22Dec
منهج المحدث البحراني الفقهي
[ المصدر: / بقلم: عبد الهادي الفضلي / مرات العرض: 1328 ]التعليقات |
كُتب هذا البحث كمقدمة لكتاب (الحدائق الناضرة)
التي تعمل دار المصطفى على تحقيقه وإعادة طباعته

كنت قد كتبت ملخصاً لمنهج المحدث البحراني الفقهي في كتابي (تاريخ التشريع الإسلامي) عند حديثي عن ظهور الحركة الإخبارية، استخلصته من مقدمات هذا الكتاب (الحدائق الناضرة) وكتابه الآخر الموسوم بـ(الدرر النجفية) وعلقت عليه في المصدر المذكور بقولي: (( وكما رأينا، أن المحدث البحراني اختلف عن العلماء الأخباريين الذين كانوا في المرحلة السابقة عن مرحلته، وذلك بأمرين:

1- الإجماع من مصادر الفقه، ولو نظرياً.

2- قوله بالاجتهاد والتقليد.

وانفرد المحدث البحراني بأن قام بتطبيق منهجه في كتابه (الحدائق) وأن لم يقدر له أن يدونه بشكل منهجي نظري متكامل ومستقل كما صنع المحقق الكركي.

وهكذا بقي المنهج الإخباري موزعاً في الكتب الإخبارية التي ألفت لنقد المنهج الأصولي.

وباستطاعة الباحث الفقيه القدير استخلاصه كاملاً بكل خطوطه وقواعده من كتاب (الحدائق)... ))

وبعد هذا قام فضيلة الأخ الجليل السيد صادق الوداعي البحراني بإعداد رسالة بكالوريوس في كلية الشريعة الإسلامية - الجامعة العالمية الإسلامية بلندن، تحت عنوان (أصول فقه المدرسة الإخبارية المعتدلة: مباني الشيخ يوسف البحراني (قده) الأصولية) بإشراف زميلنا العزيز حميد النجدي، تناول فيها الموضوعات التالية:

- تاريخ المدرسة الإخبارية

- الفروق المنهجية بين المدرستين الأصولية والإخبارية

- ترجمة الشيخ يوسف البحراني (قده)

- مباني الشيخ يوسف البحراني (قده) الأصولية

ووزع الموضوع الأخير على العناوين التالية:

- الأدلة الاجتهادية

- كيفية استنباط الحكم من الكتاب والسنة

- الأدلة الفقاهية

- التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية

ورسالة السيد الوداعي على إيجازها استطاعت أن تلم إلمامة موفقة بمباني المحدث صاحب الحدائق.

وبعد ذلكم العرض المختصر في كتابي (تاريخ التشريع الإسلامي) ورسالة السيد الوداعي لم يقدر لي أن وفقت على من درس الحياة الفكرية للمحدث البحراني دراسة علمية تتناول جانباَ منها أو كلها.

وهي - أعني حياة المحدث البحراني الفكرية - حافلة بالمهم من معالم التطور الفقهي، فهو (قده) يمثل مرحلة مميزة في مسيرة الدرس الفقهي الأمامي.

ويراصف كتابه هذا (الحدائق الناضرة) كتاب (جواهر الكلام) للفقيه الأصولي الشيخ محمد حسن النجفي في أهمية مرجعيتهما في عالم الدرس الفقهي الأمامي، فلا تجد فقيهاً إمامياً - من عصر صاحب الجواهر حتى الآن - يباحث الفقه خارجاً والكتابان المذكوران أبرز وأهم مصادره في البحث

والآن حيث تقوم دار المصطفى بإعادة نشر كتاب (الحدائق الناضرة) في جملة ما التزمت نشره من تراث علماء القطيف والأحساء والبحرين، رأت أن تعهد لي بالكتابة عن منهج المحدث البحراني الفقهي لتدرج كتابتي ضمن مقدمة النشر لهذا الكتاب.

وإنه لتشريف لي يشكرون عليه.

تمهيد

وفي البدء إن من المفيد أن أشير إلى أن منهج البحث الفقهي عند الفقهاء المسلمين يتمثل فيما يعرف بـ(أصول الفقه )، ويطلق عليه في لغة الفقه الإمامي أيضاً عنوان (مباني الاستنباط)، وأن أشير كذلك إلى صفة فارقة في منهج البحث الفقهي عند المسلمين، حيث يفترق (المنهج الفقهي) بهذه الصفة عن سواه من مناهج البحوث العلمية الأخرى، وهي أن على الفقيه أن يجتهد في مسائل وقضايا علم أصول الفقه فتكون له آراؤه ابتكاراً أو اختياراً فيما يختلف فيه العلماء من مسائل هذا العلم، تمثل تلكم الآراء مبانيه في الاستنباط.

من هنا، فدراسة فقه أي فقيه تتطلب - كمدخل للدراسة - معرفة مبانيه في الاستنباط.

ولهذا رأينا الفقهاء في الدراسات العليا أو ما يعرف بالبحث الخارج في العرف الحوزوي يدرسون أصول الفقه (مباني الاستنباط) دراسة اجتهادية.

أي يبحثونها بحثاً علمياً يعتمد الدليل والوسائل المساعدة وينتهون إلى نتائج علمية تمثل متبنياتهم في المسألة من ابتكار أو اختيار

وعلى أساس من هذه المباني يقيّم مستوى الفقيه علمياً وتعرف قيمة فقاهته من حيث الأصالة والاستقلالية والعمق

ولابد لمعرفة منهج الفقيه من الانطلاق إلى ذلك مما يلي:

1. معرفة رأيه في وظيفة الفقيه

2. معرفة رأيه في مصدر قواعد المنهج

3. معرفة رأيه في مصدر أحكام الفقه

فتحت العنوان الأول (وظيفة الفقيه) يوجد رأيان في المسألة:

1- رأي المدرسة الأصولية:

ويتمثل في أن وظيفة الفقيه هي (الاجتهاد) في فهم النص واستنباط الحكم الشرعي منه وفق قواعد علم أصول الفقه.

2- رأي المدرسة الإخبارية:

ويتمثل في أن وظيفة الفقيه هي (الرواية)، بمعنى نقل الخبر المروي عن المعصوم، والذي يحمل بمضمونه الحكم الشرعي حتى يكون هو الدليل والفتوى في آن واحد.

وإذا حاولنا أن نتعرف رأي المؤلف في المسألة فسنرى أنه كان في البداية يتبنى الرأي الأخباري، ثم - بالآخرة - تبنى رأي المدرسة الأصولية.

فقد نقل الشيخ خلف آل عصفور في رسالته (مزيلة الشبهات عن المانعين من تقليد الأموات - ص 63-) عن المحدث البحراني صاحب الحدائق ما يؤكد أن وظيفة الفقيه لا تتجاوز نقل مضمون الرواية بفتياه، قال (( وقال شيخنا العلامة الشيخ يوسف في بعض أجوبة مسائله، حيث سئل عن جواز تقليد الميت، حيث قال في الجواب: والكلام على هذه المسألة نفياً وإثباتاً على مذاقنا ومختارنا مفروغ منه، فإن المستفاد من أخبار أهل الذكر - صلوات الله عليهم - وهو وجوب الرجوع إلى رواة أخبارهم ونقلة آثارهم، ثم أورد جملة من الأخبار الدالة على ذلك كالتوقيع اليعقوبي والخبر النبوي وأمثالهما، ثم قال: ولا ريب أن العامل على كلام هؤلاء الرواة والأخذ بأقوالهم إنما هو أخذ بأقوال الأئمة المعصومين - صلوات الله عليهم أجمعين- وإن كان بواسطة هؤلاء، وينادي بذلك قول الصادق - عليه السلام - في مقبولة عمر بن حنظلة في تتمة الكلام الذي نقلناه منها حيث قال - عليه السلام - بعد قوله (فقد جعلته عليكم حاكماً):

(فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله) - الحديث.

ثم ساق كلاماً في المقام إلى أن قال: فالواجب على جميع الناس إنما هو الرجوع إلى الكتاب والسنة، غاية الأمر أن العامي الصرف أو من لم يبلغ تلك المرتبة لما كان يقصر فهمه وإدراكه عن فهم الأخبار والإطلاع عليها من مظانها المعرّفة بقواعدها وقوانينها والجمع بين مختلفاتها ونحو ذلك مما يتوقف عليه استنباط الأحكام منها، وهكذا بالنسبة إلى الكتاب العزيز وجب عليه الرجوع إلى من كانت له تلك المرتبة، وحينئذ إذا كان الرجوع إليهم إنما هو من حيث كونهم نقلة تلك الأخبار وحملة تلك الآثار، فهذا الأمر لا يتغير بالموت، ولا يتبدل على ممر الأدوار للحديث الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام )- على ما في (الكافي) - قال: (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، لا يكون غيره ولا يجئ غيره )، وهو - كما ترى - صريح في أن الحق لا يتغير بتغير الزمان ولا يتبدل بموت ولا حياة على ممر الأزمان.

والمجتهدون لهم في هذه المسألة خلاف وأقوال عديدة، لا حاجة بنا إلى التطويل بنقل أقوالهم وذكر حججها وما أورد عليها نقضاً وإبراماً )) [1] .

وقال المؤلف (قده) في كتابه (الدرر النجفية) - ص 256 - 257 - وهو في معرض بيان أهم الفروق بين الأصوليين والأخباريين مما ذكره الشيخ عبد الله بن الحاج صالح البحراني السماهيجي في كتابه (منية الممارسين في أجوبة الشيخ ياسين) ثم التعليق عليها، قال: (( وثالثها: أن المجتهدين يوجبون الاجتهاد عيناً أو تخييراً، والأخباريون يحرمونه ويوجبون الأخذ بالرواية، إما عن المعصوم أو من روى عنه، وإن تعددت الوسائط، كذا قرره شيخنا الصالح المشار إليه آنفاً في كتابه المذكور.

والجواب: أنه لا ريب أن الناس في وقت الأئمة - عليهم السلام - يكلفون بالرجوع إليهم والأخذ عنهم مشافهة أو بواسطة وهذا ما لا خلاف فيه بين كافة العلماء من إخباري ومجتهد.

وأما في زمان الغيبة كزماننا هذا وأمثاله فإن الناس فيه إما عالم أو متعلم، وبعبارة أخرى إما فقيه أو متفقه، وبعبارة ثالثه إما مجتهد أو مقلد - وقد حققنا في الفائدة الرابعة من الفوائد التي في شرح مقبولة عمر بن حنظلة - إن هذا العالم والفقيه الذي يجب على من عداه الرجوع إليه لابد أن يكون له ملكة الاستنباط للأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية إذ ليس كل أحد من الرعية والعامة ممن يمكنه تحصيل الأحكام من تلك الأدلة واستنباطها منها كما هو ظاهر لكل ناظر لما حققناه في الموضع المشار إليه.

والاجتهاد والذي أوجبه المجتهدون إنما هو عبارة عن بذل الوسع في تحصيل الأحكام من أدلتها الشرعية واستنباطها منها بالوجوه المقررة والقواعد المعتبرة، ولاريب أن من كان قاصراً عن هذه المرتبة العالية والدرجة السامية لا يجوز الأخذ عنه ولا الاعتماد على فتواه، وبذلك يظهر لك ما في قوله (إن الإخباريين يوجبون الأخذ بالرواية) فإنه على إطلاقه ممنوع، لما عرفت من التفصيل إذ أخذ عامة الناس بالرواية في زمن الغيبة أمر ظاهر البطلان وغني عن البيان، وكيف لا، والروايات على ما هي عليه من الإطلاق والتقليد، والإجمال والاشتباه متصادمة في جملة الأحكام، واستنباط الحكم الشرعي منها يحتاج إلى مزيد قوة وملكة راسخة قدسية - كما ذكرناه في الموضع المشار إليه آنفاً - فأنى للعامي باستعلام ذلك، فلابد - البتة - من الرجوع إلى عالم له تلك الملكة المذكورة )) .

ونخرج من قراءتنا لهذين النصين من كلام المؤلف (قده) إلى النتيجة التالية:

1- أن المؤلف كان - في البدء - يذهب مذهب الإخبارية في تحديد وظيفة الفقيه بـ (الرواية).

2- ثم ذهب - بعد ذلك - مذهب الأصولية في تحديد وظيفة الفقيه بـ (الاجتهاد)، وكلامه في هذا واضح لا يحتاج إلى تبين.

إلا أن (قده) يشترط في الاجتهاد أن يعتمد الوسائل التالية:

أ‌- علوم اللغة العربية ذات العلاقة بفهم النص الشرعي (الآيات والروايات).

ويمكننا حصرها بالمواد التالية: النحو والصرف والمعجم والدلالة وعلوم البلاغة.

قال - بعد كلامه المتقدم: (( نعم بقي الكلام في أمر آخر، وهو: أن ذلك الفقيه إن استند في استنباطه إلى الكتاب والسنة فهذا مما وقع الاتفاق على الرجوع إليه، وإن كان أنما استند إلى أدلة أخرى من إجماع أو دليل عقل أو نحوهما فهذا هو الذي منعته الإخبار يون وشنعوا به على المجتهدين)).

ب‌- أصول الفقه المستفادة من أخبار أهل البيت (ع).. ويأتي - بعد قليل - تأكيد هذا وتوضيحه.

وينسق على هذا محاولة معرفة رأيه في مصادر الفقه حيث يحصر الأخباريون ذلك في الكتاب والسنة، ويوسعه الأصوليون إلى ما يشمل الكتاب والسنة والإجماع والعقل، كما هو معروف لدى الجميع.

وفي كلامه الذي نقلناه عن كتابه (الدرر النجفية) أبان عن رأيه في هذه المسألة، حيث قال: (( نعم بقي الكلام في أمر آخر، وهو: أن ذلك الفقيه إن استند في استنباطه إلى الكتاب والسنة فهذا مما وقع الاتفاق على الرجوع إليه، وإن كان استند إلى أدلة أخرى من إجماع أو دليل عقل أو نحوهما فهذا هو الذي منعه الأخباريون وشنعوا به على المجتهدين )).

وأنك لتلمس تثنية المصادر في استدلالاته في (الحدائق) بوضوح، ويأتي لهذا مزيد بيان بما يؤكد النتيجة المذكورة.

ومن الطبيعي أن الاجتهاد في استنباط الحكم الشرعي من النص الشرعي بما أنه بحث علمي لابد من أن تكون له طريقة يلتزمها الباحث وهي ما يعرف بمنهج البحث.

وتقدم أن ألمحت إلى أن منهج البحث الفقهي هو أصول الفقه.

وعليه: يبقى - هنا - أن نحاول معرفة رأي المؤلف في مصدر أصول الفقه:

إن مصدر أصول الفقه من المسائل المختلف فيها بين الأصوليين والإخباريين، كما أنه من المسائل التي لم تبحث في الدرس الأصولي عند الأصوليين ولم تدون في كتبهم الأصولية، وقد أشرت إلى هذا في كتابي (دروس في أصول فقه الإمامية) حيث بحثتها ضمن مسائل التمهيد وانتهيت فيها إلى أن أصحابنا الأصوليين يذهبون في المسألة إلى أن مصدر أصول الفقه هو (العقل)، ويريدون به:

1) العقل الفطري.

2) بناء العقلاء.

وأوضحت المسألة هناك بما فيه الوفاء والاكتفاء.

أما الأخباريون فإنهم يذهبون إلى أن مصدر أصول الفقه هو أحاديث أهل البيت - عليهم السلام -، ذلك لأن العقل - في رأيهم - ليس بحجة في الشرعيات.

وقد ألف في هذا المحدث الفيض الكاشاني (ت 1091هـ) كتابه (الأصول الأصيلة)، قال فيه شيخنا الطهراني في (الذريعة 2/78) (( الأصول الأصلية، المستفادة من الكتاب والسنة للمحقق المحدث محمد بن مرتضى المدعو بمحسن والملقب بالفيض الكاشاني المتوفى سنة 1091، ألفه في تأييد مشرب الأخبارية )).

ولكن لم يقدر لهذا الكتاب أن ينتشر ويدخل عالم الدروس الحوزوية، ولهذا لا يزال أصول الفقه الإخباري غير معروف لدى الأكثرية.

هذا هو الرأي في هذه المسألة عند المدرستين الإماميتين الأصولية والأخبارية.

فما هو رأي المؤلف فيها ؟

نقف على رأيه في المسألة في كتابه (الحدائق) عند حديثه في بيان حكم صلاة الجمعة في زمن الغيبة، ونقده للإجماع المدعى على انتفاء الوجوب العيني، قال (( ومن الظاهر عند التأمل بعين الإنصاف وتجنب العصبية للمشهورات الموجبة للاعتسافات أن عد أصحابنا - رضوان الله عليهم - الإجماع مدركا إنما اقتفوا فيه العامة العمياء لاقتفائهم لهم في هذا العلم المسمى بعلم أصول الفقه وما اشتمل عليه من المسائل والأحكام والأبحاث، وهذه المسألة من أمهات مسائله، ولو أن لهذا العلم من أصله أصلا أصيلا لخرج عنهم - عليهم السلام - ما يؤذن بذلك، إذ لا يخفى على من لاحظ الأخبار أنه لم يبق أمر من الأمور التي يجري عليها الإنسان في ورود أو صدور من أكل وشرب ونوم ونكاح وتزويج وخلاء وسفر وحضر ولبس ثياب ونحو ذلك إلا وقد خرجت الأخبار ببيان السنن فيه، وكذا في الأحكام الشرعية نقيرها وقطميرها، فكيف غفلوا - عليهم السلام – عن هذا العلم مع أنه كما زعموه مشتمل على أصول الأحكام الشرعية فهو كالأساس لها لابتنائها عليه ورجوعها إليه، هذا، وعلماء العامة كالشافعي وغيره في زمانهم – عليهم السلام – كانوا عاكفين على هذا العلوم تصنيفا وتأليفا واستنباطا للأحكام الشرعية بها، وجميع ذلك معلوم للشيعة في تلك الأيام فكيف غفلوا عن السؤال منهم عن شئ من مسائله ؟! ومع غفلة الشيعة كيف رضيت الأئمة - عليهم السلام - بذلك لهم ولم يهدوهم إليه ولم يوقفوهم عليه ؟! مع كون مسائله أصولاً للأحكام كما زعمه أولئك الأعلام، ما هذا إلا عجب عجيب كما يخفى على الموفق المصيب )).

كما أنه (قده) قلّ أن تمر مسألة في كتابه (الحدائق) كان قد استدل الأصوليين عليها بقاعدة أصولية مستفادة من العقل إلا ونقدها، وهذا أيضا يدل على تأكيده (قده) على شجب الأصول العقلي.

والفارق بين منهجه والمنهج الأصولي هو أن الأصوليين ينطلقون من دراسة النظرية على المستوى الاجتماعي العام في كل اللغات وجميع المجتمعات وعلى حد المديات البشرية، ثم يطبقون ذلك على الاستعلامات الشرعية فيلتقون بهذا مع منهج المؤلف،أي انهم يفترقون عنه في دراسة النظرية، ويلتقون معه في مجال التطبيق، ذلك أن المؤلف - وكذلك الأخباريون - يستفيدون القاعدة الأصولية من النصوص الشرعية بشكل مباشر، تلك النصوص التي يعتبرها الأصوليون أرضية التطبيق لنظريتهم التي أفادوها من بناء العقلاء .

وقبل البدء بعرض واستعراض آراء المؤلف في قضايا المنهج لابد من الإشارة إلى التالي:

- علينا ونحن نبحث عن آراء المؤلف في مسائل أصول الفقه أن نأخذ بالاعتبار أن الفترة التي عاشها المؤلف هي فترة بدايات نضج الأفكار الأصولية وبدايات استقرار المصطلحات الأصولية.

أي أن التداخل بين المفاهيم الأصولية وعدم التمايز الفاصل بينها لا يزال قائما، ومن هنا لا نقوى على محاكمة آراء علماء الأصول الذين عاشوا في تلك الفترة وفق ما انتهت إليه آراء متأخري المتأخرين والمعاصرين من علماء أصول الفقه.

- أن اغلب بحث المؤلف للمسائل الأصولية كان نقداً لآراء وأفكار المدرسة الأصولية، وفي أثناء ذلك يعزب عن رأيه.

- والتزاماً مني بالقدر الذي يسمح لهذا الكتاب رأيت أن أقتصر على عرض آراء المؤلف دون مقارنتها بآراء الآخرين، ومن غير استعراض لأدلة آرائه وموازنتها بأدلة الآخرين.

منطلقات البحث عند المؤلف:

ونلخص من هذا إلى أن المنطلقات للبحث الفقهي عند المؤلف هي:

1- الاجتهاد.

2- حصر مصادر الفقه في الكتاب والسنة.

3- تحديد مصدر أصول الفقه بالروايات عن أهل البيت.

وبعد هذا التمهيد ندخل حريم البحث لنعرف منهج البحث الفقهي عند المحدث البحراني، ولأنه(قده) يقصر مصادر الفقه على الكتاب والسنة، يلزمنا هذا بأن نحدد محاور البحث في النقاط التالية:

- التعامل مع ظهورات الكتاب.

- التعامل مع خبر الواحد.

- تعيين مراد المشرع.

- تعارض الأخبار.

وذلك لأن هذه هي مجالات التعامل مع النصوص الشرعية من حيث السند والدلالة.

التعامل مع ظهورات الكتاب:

من الظواهر اللغوية الاجتماعية المعروفة: ان دلالة الألفاظ على معانيها تتنوع إلى: دلالة نصية ودلالة ظهورية.

وحياة الناس منذ أن وجدوا على هذه الأرض في تفاهم بعضهم البعض وحواراتهم على اختلاف أنماطها ومختلف أساليبها، قائمة على الأخذ بهذين النوعين من الدلالة.

وعمق وشمول هذه التجربة البشرية فرضت ان ترتب عليها جميع الأحكام والآثار الشرعية والقانونية والعرفية دونما إنكار أو تردد.

والمدرستان الإماميتان:الإخبارية والأصولية لا تختلف في هذا لثبوته بالبداهة.

وتعاملوا مع الظهورات على أنها حجة سواء كانت في كلام عامة الناس أو كلام خاصتهم كالأنبياء والأوصياء، في الشرعيات وغيرها.

ولكن وجود روايات كثيرة قد يفهم منها المنع من الأخذ بظواهر القرآن الكريم استناداً إلى النظرية القائلة: إن القرآن الكريم لا يفهمه إلا من خوطب به، وهم أهل البيت – عليهم السلام – جعلت علماء المدرسة الإخبارية يختلفون في حكم الأخذ بظواهر القرآن.

وقد عقد الشيخ الحر العاملي في (الوسائل) الباب الثالث عشر من أبواب – صفات القاضي وما يقضي به من كتاب القضاء – للروايات المشار إليها تحت عنوان (عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن إلا بعد معرفة تفسيرها من الأئمة – عليهم السلام –)

وذكر المؤلف (قده) جملة من هذه الروايات في المقدمة الثالثة من هذا الكتاب مما يغنينا عن تقل شيْ منها هنا.

ويقول المؤلف في بيان الأقوال في المسألة: ((لا خلاف بين أصحابنا الأصوليين في العمل به في الأحكام الشرعية والاعتماد عليه حتى صنف جملة منهم كتبا في الآيات المتعلقة بالأحكام الفقهية، وهي خمسمائة آية عندهم.

وأما الأخباريون فالذي وقفنا عليه من كلام متأخر يهم ما بين إفراط وتفريط:

- فمنهم من منع فهم شيْ منه مطلقا حتى مثل قوله (قل هو الله أحد) إلا بتفسير من أصحاب العصمة – صلوات الله عليهم -.

- ومنهم من جوّز ذلك حتى كاد يدعى المشاركة لأهل العصمة – عليهم السلام – في تأويل مشكلاته وحل مبهماته )).

- وبعد أن استعرض جملة من أخبار المنع أبدى رأيه في المسألة، وهو يمثل التفصيل بين الاطلاقين المذكورين، قال: ((والقول الفصل والمذهب الجزل في ذلك ما أفاده شيخ الطائفة – رضوان الله عليه – في كتاب (التبيان) وتلقاه بالقبول جملة من علمائنا الأعيان، حيث قال بعد نقل جملة من أخبار الطرفين [2] ما ملخصه: والذي نقول: إن معاني القرآن على أربعة أقسام:

أحدها: ما اختص الله تعالى بالعلم به، فلا يجوز لأحد تكلف القول فيه { ولا تعاطي معرفته، وذلك مثل قوله تعالى:(يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو) ومثل قوله تعالى:(إن الله عنده علم الساعة) – إلى أخرها – فتعاطي معرفة ما اختص الله تعالى به خطأ }.

­­­­­­­­­­­­وثانيها: ما يكون [3] ظاهره مطابقاً لمعناه، فكل من عرف اللغة التي خوطب بها عرف معناه، مثل قوله: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق )، { ومثل قوله تعالى: (قل هو الله أحد )وغير ذلك }.

وثالثها: ما هو مجمل لا ينبئ ظاهره عن المراد به منفصلاً، مثل قوله: (أقيموا الصلاة )، (وأتوا الزكاة )، ومثل قوله: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً) وقوله:(وآتوا حقه يوم حصاده) وقوله (وفي أموالهم حق معلوم) وما أشبه ذلك، فإن تفصيل أعداد الصلاة وعدد ركعاتها، وتفصيل مناسك الحج وشروطه، ومقادير النصاب في الزكاة، لا يمكن استخراجه إلا ببيان النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ووحي من جهة الله تعالى، فتكلف القول في ذلك خطأ ممنوع منه، يمكن أن تكون الأخبار (أخبار المنع) متناولة له }.

ورابعها: ما كان اللفظ مشتركاً بين معنيين فما زاد عليها [4] ويمكن أن يكون كل واحد منها مراداً، فإنه لا ينبغي أن يقدم أحداً فيقول: إن مراد الله بعض ما يحتمله


التعليق و المناقشة

التعليق و المناقشة

معنى التأويل كمصطلح
الكيان السياسي الإسلامي
مفهوم الاستقلال السياسي
منهج المحدث البحراني الفقهي
مبادئ أصول الفقه
خلاصة الحكمة الإلهية
قراءة في كتاب التوحيد
تعزية في وفاة سماحة المرجع السيد فضل الله